محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
18
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
رواية ذلك ، والقرآن نص على الأمر به ، لا على الأمر بنقيضه ، وقد بشَّر يوسفُ إخوته بالمغفرة ، وبشرهم أبوهم عليه السلام ، وهذا كله مع بقاء الخوف بجهل الخواتم إجماعاً ، ولشرط المشيئة في القرآن عند أهل السنة مع ذلك يُبْطِلُ ما يُظَنُّ من المفسدة ، وتكون الفائدة منع القنوط لا سوى ، تتبين بذكر كل واحدٍ من هذه الأمور الثلاثة على انفراده . فأمَّا الأمر الأول : وهو المعارضة بعمومات الوعيد ، فلا يَصِحُّ ، لأن المعارضة تقتضي الوقف ، والوقف يقتضي الرجاء ، ولأنَّ الخاصَّ موجودٌ مشهور ، والخاص مقدَّمٌ على العام ، وأدلة الرجاء أخص وأبين كما يظهر لك الآن إن شاء الله تعالى . والوعيدية على هذا في غير هذه المسألة ، بل هم عليه فيها عند حاجتهم إليه ، بل لا بد لهم من ذلك في هذه المسألة بعينها ، فإنهم إنما قطعوا بغفران الصغائر وإخراجها من عموم : { ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم } [ الجن : 23 ] لأن آية الصغائر أخصُّ مع معارضة قوله تعالى : { ومن يعمل مثقال ذرَّةٍ شرّاً يَرَهْ } [ الزلزلة : 8 ] ، لقوله ( 1 ) : { إنْ تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } [ النساء : 31 ] من بعض الوجوه ، ولذلك احتاجوا إلى تأويلها ، بل تراهم يُخَصِّصُون القرآن بالحديث الآحادي متى كان عموم القرآن في الوعد بالثواب ، كما يَخُصُّون قوله تعالى : { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ } [ هود : 114 ] في نحو عشر آيات في هذا المعنى ، كقوله تعالى في الصادقين والمصدقين في سورة " الزمر " : { لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُون } [ الزمر : 35 ] ، وقوله تعالى في " الأحقاف " : { أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُون } [ الأحقاف : 16 ] ، وقوله تعالى في المؤمنين في [ العنكبوت : 7 ] : { لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
--> ( 1 ) في ( ش ) : " أي لقوله " .